انتهت القمة العربية المصغرة التي انعقدت واختتمت الجمعة 21 شباط/فبراير في السعودية بحضور قادة كل من السعودية والإمارات ومصر وقطر والكويت والبحرين والأردن من دون إصدار بيان رسمي، وكان من المفترض أن تناقش هذه القمة موقفها من خطة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حول تهجير أهل قطاع غزة إلى دول مثل مصر والأردن، والتحضير لوضع خطة بديلة لخطته، إلا أنها تحولت إلى ما يشبه لقاء دردشة سياسية، وهو ما انعكس ليس فقط على مضمون القمة بل أيضا على أزياء القادة الذين حضروها والتقطوا الصور التي تعكس ذلك.
وكانت السعودية قد سعت قبيل القمة إلى خفض سقف التوقعات عندما نشرت على لسان مصادر مسؤولة ما يؤكد أن القمة (ودية وغير رسمية) و(لقاء أخوي غير رسمي)، وقد فسر مراقبون ذلك بتفسيرات عدة، منها عدم اكتمال ملامح الخطة التي قيل إن مصر تعدها بالتعاون والتنسيق مع بعض الدول العربية بديلا عن مقترح ترامب، ومنها أن السعودية لم ترد أن تتحول قمة على أرضها إلى رأس حربة في مواجهة ترامب وكيان يهود، وهي التي يعول عليها الطرفان للدخول في عملية تطبيع شاملة ذات أهداف إقليمية ودولية، ومن التفسيرات أيضا ما قاله بعض المراقبين بأن قادة الدول العربية الذين شاركوا في القمة توافقوا على صفة (التشاورية) كي لا يتحملوا لاحقا وحدهم تبعات فشل ما يمكن أن تخرج به القمة وصعوبة تطبيقه، ولا يقللون من أهمية القمة العربية الطارئة التي ستعقد في القاهرة في الرابع من آذار/مارس المقبل، فإذا قدمت قمة الرياض مخرجات، مهما كانت أهميتها وخطورتها، فهذا يعني أن من سيحضرون قمة القاهرة الموسعة مطالبون بالتصديق عليها بلا مناقشات.
ومهما اختلفت التفسيرات التي ربما يكون بعضها صحيحا، إلا أنّ هناك ثابتاً واحدا لا بد من ملاحظته حين النظر إلى هذه القمة الودية أو التشاورية، وهو أن هؤلاء القادة ليسوا أكثر من ديكور ودمى للاستعمار، وأنهم ليسوا أصحاب إرادة أو قرار، فرفضهم لتهجير أهل غزة من بلدهم، إنما هو بالقدر الذي تسمح به أمريكا لهم ليس أكثر، وهم عندما يستاؤون من قرار لترامب فإنما يقدمون ذلك بصيغة الناصح الأمين له، بوصفهم أصحاب همٍّ واحد، وعدو واحد، وقد يترجونه إن لزم للاستماع إليهم خشية إفساد الأوضاع عليهم جميعا.
والآن وبعد أن صرح رئيس أمريكا ترامب الجمعة، 21 شباط/فبراير شباط 2025 قائلا: "لن أفرضها (خطة التهجير) لكنني سأقترحها فقط، ثم أمريكا ستملك الموقع حيث لن يكون هناك وجود لحماس وسيتم تطويره". وتابع مكررا الرواية نفسها حول افتراض أن أهل غزة سيختارون مغادرتها إذا مُنحوا الخيار، قائلا: "لكنني أحب خطتي ورأيتها جيدة عبر إخراجهم (الفلسطينيين) من هناك وبناء مجتمع جميل ومستدام ثم تستحوذ على غزة التي سُويت بالأرض وأصبحت غير قابلة للحياة وإذا مُنح الناس الخيار فإنهم سيغادرونها". بعد هذه التصريحات تنفس الحكام الصعداء ويمكنهم الآن المضي في التفكير في البديل الذي يحقق هدف ترامب دون اللجوء للتهجير العاجل.
وبمقارنة ما قاله ترامب في تصريحه نفسه حول فكرته في غزة مع البرنامج المطروح للنقاش في القمة العربية المقبلة في الرابع من آذار/مارس المقبل، نرى أن الخطة والقمة العربية عبارة عن خطوة تنفيذية ومكملة لمقرراته، فهو قال في تصريحه "الطريقة الأخرى التي يمكن فعل ذلك عبرها، هي القيام بالأمر والناس داخل القطاع، ولا أعتقد أن ذلك سينجح، فقد مضت سنوات وعقود كثيرة من القتل هناك وهذا مكان خطير وستكون حماس هناك". وأردف قائلا: "السؤال هنا: هل سيتمكنون من إنهاء وجود حماس؟ إنهم متغلغلون بين الناس وليس من السهل القيام بذلك".
والخطة المصرية المطروحة كبديل للتهجير ترتكز على ركيزتين أساسيتين ومعلنتين، الأولى: توفير جهات لتمويل سخي لعملية إعادة إعمار غزة التي تقدر بنحو 50 مليار دولار، والثانية: إقناع حركة حماس بنزع سلاحها تماما، والتخلي عن أي دور لها في إدارة القطاع بعد وقف إطلاق النار النهائي فيه. أي أنها تسير بالخيار الآخر الذي وضعه لهم ترامب فيما يتعلق بمصير غزة.
فترامب بعد أن تفاجأ بحجم الرفض الأممي والشعبي والدولي للتهجير المباشر والسريع لأهل غزة، صرح بأنّه لن يستعجل تحقيق غايته النهائية بتملك غزة والسيطرة عليها، وسينظر إليها كصفقة عقارية، فهو يريد الآن من كيان يهود أن ينهي الجانب العسكري والأمني، لذلك قام بإلغاء تعليق فرضته إدارة بايدن على تزويد كيان يهود بقنابل زنة ألفي رطل، مع السماح لهم بالإبقاء على التضييق وصعوبة الحياة على أهل غزة وهذا مشاهد محسوس.
ويريد من حكام المسلمين العرب والعجم جانب الإعمار ودفع الأموال وتوفير البديل المريح لمن يريد الهجرة، والعمل على نزع سلاح غزة، وهذا ما ستعمل عليه الخطة والقمة المقبلة، وهو ما سبق وبدأ النقاش العلني حوله، حيث قال الأمين العام لجامعة الدول العربية إنه "إذا كان من مصلحة الفلسطينيين أن تتنحى حماس فلتتنحَّ"، لافتا إلى أن مقترح ترامب بشأن غزة هدفه إيجاد طرح عربي مقابل. ووصف المستشار الدبلوماسي للرئاسة الإماراتية أنور قرقاش، دعوة الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، حركة حماس "إلى التنحي عن إدارة قطاع غزة"، بـ"العقلانية".
وبذلك يظن ترامب أنه سيصل بعد سنوات بجهود يهود وحكام المسلمين إلى غايته المرجوة بتهجير أهل غزة والاستيلاء عليها لإقامة مشاريعه الاستثمارية فيها.
هذا حلم ترامب ويهود، وهم في ذلك واهمون، فهم يظنون أن هؤلاء الحكام العملاء المتآمرين باقون لهم ودائمون، ويغفلون أن الأمة الإسلامية باتت تغلي كالماء فوق المرجل، وأن ما كان مستحيلا في السابق بات ممكنا وقريبا اليوم، فالأمة تكاد تأخذ بحلاقيم حكامها بعد أن ثبت لديها بالحس المباشر أنهم أعداء لها ولا أمل فيهم، فعملية طوفان الأقصى لم تبق عورة لهم إلا وعرتها، وبنت قناعات عندها بأن أس الداء وسبب البلاء هم حكامها المتسلطون على رقابها.
فما هي إلا لحظة يأذن فيها الله بنصره، فيهيئ لدينه ولعباده، أهل نصرة وقوة يعيدون للأمة سلطانها، ويقيمون الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة تقطع دابر الكافرين، وتحرر فلسطين وكل بلاد المسلمين المحتلة، فيندحر ترامب ومن معه ومن والاه كما اندحر من قبله القياصرة والأكاسرة على يد دولة الإسلام الأولى، فأصبحوا نسيا منسيا.
رأيك في الموضوع