ما زالت الأخبار تتوالى يوماً بعد يوم مؤكدةً أنَّ دور أمريكا في لبنان بات يتخذ بعداً أكثر مما كان عليه في السابق، بالتدخل المباشر والسافر، وبالتصريح وليس بالتلميح، بأنهم من أرادوا وصول قائد الجيش رئيساً للدولة، وكذلك رئيس الحكومة المكلف، بل ويطالبون بأمور محددة في التشكيلة الوزارية! وليس أدل على ذلك من تصريحات:
- مستشار ترامب مسعد بولس لقناة الجديد اللبنانية والمنشور في 30/1/2025م: "إننا نتطلع إلى التطورات السياسية في لبنان لمتابعة التغييرات الشاملة، فكما حصل في رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، نتطلع إلى انسحاب ذلك على التشكيلة الحكومية لتعكس الإصلاح المطلوب وعدم إعادة تعيين من له تجربةٌ مع المنظومة السابقة، لاستكمال مسيرة النهوض واستعادة ثقة المجتمع الدولي"!
- وكذلك ما نشرته رويترز يوم 31/1/2025م، ونَسَبته إلى خمسة أشخاص مطلعين على الأمر: "ويبدو أنّ التدخل الأمريكي المباشر غير المعتاد في السياسة الطائفية في لبنان يهدف إلى الاستفادة من التحولات في ميزان القوى في لبنان والشرق الأوسط على نطاق أوسع، مع تعرض حزب الله المدعوم من إيران لضربات شديدة نتيجة حرب العام الماضي مع (إسرائيل) وإطاحة حليفه السوري بشار الأسد من السلطة... وقالوا إن المسؤولين الأمريكيين نقلوا رسائل إلى سلام وإلى الرئيس اللبناني جوزيف عون - الذي حظي بدعم الولايات المتحدة كقائد للجيش وانتخب رئيساً في أوائل كانون الثاني/يناير - مفادها أن حزب الله لا ينبغي أن يشارك في الحكومة المقبلة... وقالت ثلاثة من المصادر إن رجل الأعمال اللبناني الأمريكي مسعد بولس، الذي عينه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستشاراً لشؤون الشرق الأوسط، كان أحد الأشخاص الذين نقلوا تلك الرسالة إلى لبنان..."!
- وتكتب رويترز في الخبر نفسه في 31/1/2025م مستغربةً هذا التدخل المباشر: "ورغم أن أعضاء الكونغرس الجمهوريين في الولايات المتحدة حثوا ترامب علناً على إبقاء حزب الله وحلفائه خارج الحكومة، إلا أنه لم يسبق أن ورد أن بولس ومسؤولين أمريكيين آخرين كانوا ينقلون هذه الرسالة مباشرة إلى لبنان"!
- وما قاله مايكل يونج من مركز كارنيغي للشرق الأوسط لرويترز في 31/1/2025م "الولايات المتحدة تحاول فرض نظام ما بعد حزب الله في لبنان، وبالتالي فمن المنطقي بالنسبة لهم حرمان حزب الله وحركة أمل من الحرية في إبداء الرأي في سياسة الحكومة"!
أما الذريعة في التدخل كما تزعم أمريكا، وكما نقلت رويترز في الخبر نفسه عن ثلاثة أشخاص آخرين على دراية مباشرة بالقضية لرويترز: "إن السماح لحزب الله أو أمل بترشيح وزير المالية من شأنه أن يضر بفرص لبنان في الوصول إلى أموال أجنبية للمساعدة في تلبية فاتورة إعادة الإعمار الضخمة الناجمة عن حرب العام الماضي"!
هذا غير ما عاد ونَشَطَ وتجدد بعد غياب متعمد - صار واضحاً أن أمريكا كانت وراءه - من دور لرجالات أمريكا في لبنان، لا سيما السعودية، التي يبدو أنها عادت لتمد أذرعها في لبنان وسوريا برعاية بل بطلب أمريكي واضح، حتى إنَّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان استقبل أحمد الشرع في أول زيارة خارجية له بوصفه رئيساً لسوريا! وبدأت نذر ودائع مالية سعودية في البنوك اللبنانية تظهر في الإعلام!
لطالما كان واضحاً أنَّ دور أمريكا هو الأساسي في كل شاردة وواردة في لبنان، وما جاورها من بلاد، وأنها تعطل وتحرك متى رأت ذلك مناسباً لمصالحها وترتيباتها! لكن الأمور صارت الآن بجرأةٍ وسفور من أمريكا ومن السلطة اللبنانية بأحزابها وكل مكوناتها، فلا تسمع لهم صوتاً ولا همساً في استنكار هذا الأمر، ولو بتصريح أجوف! لأنهم يتطلعون لهذه الثروات من غاز ونفط التي ستعمل أمريكا على استخراجها، ثم تلقي لهم ببعض الفتات، تقويهم به على لبنان وأهله، وتثبتهم على كراسيهم، وتدير أمرهم من سفارتها التي قيل إنَّ ترامب سيأتي بنفسه لافتتاحها، لعله ليكرس دورها في لبنان والمنطقة، ولتدار من خلالها عمليات التطبيع مع كيان يهود الغاصب، لتتفرغ بعدها الإدارة الأمريكية للصين التي ترى أمريكا أنها تشكل تهديداً اقتصادياً داهماً لها بعد ما صار يتسارع من التطور الصيني في مجالات الطاقة البديلة والذكاء الاصطناعي، وتَجَدُد خشية أمريكا من امتداد حركة الصين ومعها روسيا في الدائرة القطبية الشمالية.
إنَّ ما حصل من أحداث في المنطقة وأظهر حيوية المسلمين وقدرتهم وتضحيتهم، من عملية طوفان الأقصى إلى إسقاط طاغية الشام، حَريٌّ أن تدفع المسلمين عموما وأهل الشام خصوصاً، إلى عدم الاستكانة لتدخل أمريكا السافر هذا، والذي يبدو أنه يرسم خط تطبيع كيان يهود مع بقية حكام المنطقة خاصة لبنان وسوريا.
إنَّ حكام لبنان وما حوله، ومِنْ خلفهم أمريكا، لن يتركوا المسلمين يهنأون بما حبا الله عز وجل به بلادهم من ثروات، بل هم يريدون نهب الثروات، وإعادة تثبيت من خرج عليهم المسلمون يوماً ثائرين، ثم يأتون بوجوه جديدة تابعة لهم جهاراً نهاراً، ويصرحون بذلك، ويصمت الحكام وأنظمتهم صمت أهل القبور.
إنه من الخطر الجسيم الدعةَ والسكينة أمام هذا الواقع الذي تحاول أمريكا فرضه، من الخطر أن يقع في قلوب المسلمين ذلك بذريعة المصلحة أو الأوضاع الاقتصادية وما شابه، بل لا بد أن يكون هذا دافعاً أكبر للتغيير الجذري، فيتحقق لكل من يعيش في هذه البلاد وفي كنفها رغد العيش وهناؤه الذي وعد به رب العالمين بقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.
رأيك في الموضوع