في عالم يتآكل فيه اليقين الاستراتيجي، ويتراجع فيه نفوذ أمريكا، تقدم أوروبا نفسها اليوم كقوة اقتصادية عملاقة تريد أن تحشر أنفها في كل ملف دولي، ولكن التشريح الحضاري للعقل الجيوسياسي الغربي يبين أنها قوة ديموغرافية هرمة تسير فوق أرض رخوة. فالأزمة الإيرانية لم تكشف فقط حدود الردع الغربي، بل عرّت هشاشة المشروع الأوروبي ذاته: قارة تخشى الحرب مع أمريكا، وترفض التحرك تحت مظلة الناتو، وتخشى السلام بشروط الصين، وتفشل في ردع روسيا، وتعجز عن تحقيق السيادة الغذائية والطاقية والعسكرية، وتدرك في الوقت نفسه أنها لم تعد تملك مفاتيح النظام الدولي الذي ساهمت يوماً في بنائه.
لقد تحوّل ملف إيران إلى مرآة كاشفة لعقدة النقص الغربية وللضعف الأوروبي المركب. فبينما تتصاعد التهديدات المرتبطة بالملاحة الدولية، والحروب السيبرانية، ووكلاء النفوذ الإقليمي، تكتفي أوروبا بإدانات سياسية وتحركات دفاعية محدودة، دون القدرة على بناء معادلة ردع مستقلة أو فرض تصور جيوسياسي خاص بها. وليس السبب نقص القوة العسكرية أو الموارد الاقتصادية، بل غياب الإرادة الجيوسياسية الموحدة داخل القارة نفسها.
تخشى العواصم الأوروبية أن يؤدي أي صدام واسع مع إيران إلى انفجار مزدوج: أزمة طاقة خانقة، وانهيار آخر ما تبقى من التفاهمات النووية الهشة. لكن الخوف الأعمق يكمن في مكان آخر؛ فأوروبا تدرك أن أي مواجهة كبرى في الخليج ستعيد تكريس تبعيتها الأمنية الكاملة لأمريكا، في وقت تحاول فيه، نظرياً على الأقل، بناء ما يسميه رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، بينما تتمسك بولندا ودول البلطيق على وجه الخصوص بالمظلة الأمريكية.
هذا التباين الداخلي، يجعل الاستقلالية مجرد شعار أكثر منه مشروعاً فعلياً. وفوق ذلك، فالقارة العجوز عالقة بين مطرقة القوة الأمريكية وسندان الصعود الصيني: أمريكا تدفع حلفاءها نحو اصطفاف حاد ومواجهات مفتوحة، بينما تعرض الصين شراكات اقتصادية هائلة مشروطة بصمت جيوسياسي متزايد. وبينهما، تجد أوروبا نفسها فاقدة للقدرة على اتخاذ قرار سيادي مستقل، خصوصاً في الشرق الأوسط حيث تتداخل الطاقة والأمن والتجارة والممرات البحرية.
لكن أزمة أوروبا ليست جيوسياسية فقط، بل حضارية أيضاً. فالعقل السياسي الغربي ما يزال، رغم كل خطاب الحداثة وحقوق الإنسان، يتحرك داخل بنية ذهنية ترى العالم منقسماً بين مركز يمتلك حق تعريف النظام والشرعية، وأطراف مطالبة بالامتثال أو الاحتواء. وقد عبّر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، عن هذه النظرة الاستعلائية بوضوح صادم حين وصف أوروبا بأنها حديقة، فيما معظم العالم غابة قد تغزو تلك الحديقة.
لم يكن ذلك مجرد خطأ دبلوماسي، بل تعبيراً مكثفاً عن عدم وعي استراتيجي غربي يرى نفسه حاملاً للحضارة في مواجهة فوضى الآخرين. ومن هنا يمكن فهم الطريقة التي تتعامل بها أوروبا والغرب عموماً مع إيران ومع العالم غير الغربي: إما التدخل العسكري المباشر حين تسمح موازين القوة، أو منظومات العقوبات والردع والحصار حين تصبح الحرب مكلفة. وفي الحالتين، يبقى الافتراض الضمني واحداً: الغرب يحتكر تعريف الشرعية، بينما يُطلب من بقية العالم الخضوع لقواعد لم يشارك أصلاً في صياغتها، فيما يواصل كيان يهود مسار العربدة في المنطقة.
غير أن العالم يتغيّر نحو فك الارتباط بالنظام الدولي في صيغته الحالية، حيث إن خرق أمريكا وربيبها كيان يهود للقانون الدولي صار بمثابة المحفز الذي يسرع من مسار هذه التغيرات العالمية. فإيران مثل الصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى، لم تعد تنظر إلى الغرب باعتباره المركز الوحيد للنظام الدولي، بل باعتباره قوة يمكن استنزافها أو الالتفاف عليها أو موازنتها بتحالفات بديلة. ولهذا لم تعد العقوبات الغربية تحقق النتائج الحاسمة نفسها كما في السابق، خاصة مع صعود شبكات اقتصادية ومالية موازية تقودها قوى آسيوية وكتل مثل البريكس.
أوروبا تدرك هذا التحول، لكنها تخشى الاعتراف الكامل به. فهي من جهة تحتاج إلى المظلة العسكرية الأمريكية، ومن جهة أخرى تعتمد اقتصادياً على الأسواق والطاقة وسلاسل الإمداد القادمة من آسيا والشرق الأوسط. ولذلك تتحرك بروكسل داخل مساحة ضيقة من التردد لا هي قادرة على خوض مواجهة استراتيجية مستقلة، ولا هي مستعدة نفسياً وسياسياً لقبول عالم ما بعد الهيمنة الغربية. أما خارج الاتحاد الأوروبي، فقد وجدت بريطانيا مساحة أوسع للتحرك بحثا عن مسكّن لألم النزيف الاقتصادي، حيث سارعت إلى إبرام اتفاقية تجارية وصفت بالتاريخية مع مجلس التعاون الخليجي.
لقد أصبحت أوروبا قوة تخاف أكثر مما تبادر. تخاف من اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد، ومن موجات الهجرة، ومن تنامي نسب المسلمين في مجتمعاتها، ومن صعود اليمين الشعبوي، ومن تأخرها في مجال الذكاء الصناعي، ومن فقدان الامتياز التاريخي الذي راكمته عبر قرون من السيطرة الاقتصادية والاستعمارية. وحتى خطاب "القيم الأوروبية" بات يستخدم أحياناً بوصفه محاولة للحفاظ على التفوق الرمزي في عالم يحكمه قانون الغاب، ويتغير بسرعة أكبر من قدرة النخب الغربية على الاستيعاب.
لقد كشفت المعضلة الإيرانية عن أزمة أوروبا التي صارت تخاف من ظلها، لكن الأزمة تتجاوز أوروبا وإيران معاً. فما نشهده اليوم هو انهيار تدريجي للمركز الأخلاقي والسياسي للنظام الدولي المعاصر. أمريكا تدير العالم بمنطق القوة والمصالح، والصين تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي والرأسمالية المتوحشة بمنطق النفوذ الصامت، بينما تعيش أوروبا حالة قلق وجودي بين الطرفين. أما الجنوب العالمي، فقد بدأ للمرة الأولى منذ عقود يرفض الاكتفاء بدور الساحة التي تتصارع فوقها الإمبراطوريات.
لقد انتهى عصر الأحادية القطبية، لكن العالم لم ينجح بعد في بناء نظام متعدد الأقطاب مستقر وعادل. وما نعيشه من فوضى الآن ليس نظاماً دولياً جديداً، بل فراغ استراتيجي عالمي تتنافس داخله قوى تملك أدوات القوة، لكنها تفتقر إلى رؤية حضارية جامعة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد كيف سيرد الغرب على إيران؟ بل هل يستطيع العالم إنتاج تصور جديد للعلاقات الدولية خارج ثنائية الهيمنة والفوضى؟ وهل يوجد بديل قادر على إعادة صياغة الأعراف والنظم والقوانين بعيدا عن منتجات حضارة إبستين؟
ربما تكون اللحظة الراهنة، رغم خطورتها، فرصة تاريخية لولادة توازن دولي مختلف ومشروع حضاري جديد يعيد تعريف معنى الأمن والتعاون والسيادة في القرن الحادي والعشرين. مشروع لا يقوم على البلطجة والنهب والابتزاز، ولا على إخضاع الشعوب بمنطق العقوبات أو الحروب بالوكالة.
فالعالم الذي يدوس كرامة الإنسان صباح مساء لا يعاني من أزمة قوة، بل من أزمة معنى. ولذلك فأمة الإسلام مدعوة أكثر من أي وقت مضى لأن تكون شريكة في إنتاج النظام الدولي على أساس الإسلام، باستعادة سلطانه ودولته، دولة الخلافة الراشدة، لأنها الوحيدة القادرة على أن تعيد للإنسان إنسانيته وكرامته.






















رأيك في الموضوع