تسعى أمريكا جاهدة لمنع تشكيل أي حلف أو تحالف بين روسيا والصين، وتحاول باستمرار تفكيك عناصر التقارب بينهما؛ فمرة تغازل موسكو وتشعرها بإمكانية تخليها عن دعمها العسكري لأوكرانيا، أو تسمح لها ببناء قاعدة عسكرية هنا أو هناك لإشعارها بكونها دولة كبرى، وتارة تغازل بكين وتطلق التصريحات المؤيدة للصين الموحدة، وتمنع تايوان من الانفصال. ولأمريكا سابقة ناجحة في محاولة فك هذه العلاقة؛ ففي مطلع ستينات القرن المنصرم، وتحديداً في القمة التي جمعت خروتشوف وكينيدي عام 1961 والتي جرى فيها اقتسام العالم إلى معسكرين ومناطق نفوذ، لم تكن الصين الشيوعية غائبة عن المحادثات التي جمعت الرئيسين.
فالاستراتيجية الأمريكية قائمة تاريخياً على منع تشكيل كتلة شرقية موحدة تجمع الصين وروسيا. إلا أن روسيا والصين بدأتا تريان أن الإمبراطورية الأمريكية في طريقها إلى الزوال، وأن المشاكل التي تعصف بها من الداخل، والانقسام بين مكونات شعبها - وبالذات بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري - مؤشر على أن العالم يوشك أن ينفض من حولها. وبالرغم من كونها ما زالت الدولة الأولى عالميا، إلا أنها غارقة في أخطائها القاتلة، وليس آخرها حربها على إيران التي جعلت منها أضحوكة أمام العالم، وكل هذا يوشك أن يتراجع بمكانتها كدولة أولى في العالم، ويجعل التعاون أو التحالف أمراً ضرورياً وحيوياً بالنسبة لكل من بكين وموسكو.
ومع أن العلاقة بين روسيا والصين قائمة في الأساس على التنافس، وبالذات في مناطق النفوذ المشترك من مثل آسيا الوسطى التي تعتبرها روسيا حديقتها الخلفية، فيما تعتبرها الصين طريقاً حيوياً لمشروع الحزام والطريق، إلا أن أمريكا ترى أن استغلال هذه التناقضات والمخاوف التاريخية يمنع وصول العلاقة بينهما إلى حلف عسكري استراتيجي متكامل. لذلك فهي تعمل دائماً على تعميق الفجوة بين الدولتين، وهي تدرك أن ما يجمعهما حالياً هو العداء المشترك لها، وليس المصالح المشتركة والتوافق المبدئي.
وتملك أمريكا أوراقاً كثيرة للضغط على الدولتين، بعضها يندرج تحت سياسة العصا وبعضها الآخر يتبع سياسة الجزرة، وتتلخص في ثلاث أوراق رئيسية:
الورقة الأولى: حرص الصين الشديد على مصالحها التجارية الضخمة مع أمريكا؛ ولهذا السبب امتنعت عن تقديم الدعم العسكري لروسيا في حربها على أوكرانيا، خشية تعرضها لعقوبات اقتصادية قاسية تؤثر على اقتصادها القائم بالأساس على التصدير.
الورقة الثانية: محاولة دفع الصين نحو القيام بعمل عسكري متهور تجاه تايوان، تماماً كما استدرجت أمريكا روسيا إلى المستنقع الأوكراني لاستنزاف قواها العسكرية والاقتصادية وعزلها دولياً، ليكون هذا العمل مبرراً لفرض حصار اقتصادي وتجاري شامل يدمر خطط الصين في الصعود.
الورقة الثالثة: استغلال أمريكا للفزع الإقليمي من الخطر الصيني لإعادة بناء وتعزيز تحالفاتها العسكرية في المنطقة، مثل حلف أوكوس مع بريطانيا وأستراليا، وتحالف كواد مع اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين، ما يشتت جهود الصين ويبعدها عن التركيز على الجانب الاقتصادي. ولا أحد يعلم كم تستطيع الصين الصبر إزاء ذلك.
ورغم هذه الأوراق، لم تعد أمريكا تمتلك أوراق ضغط فعالة وحاسمة على روسيا أو الصين؛ فالورقة الاقتصادية بالنسبة للصين متأرجحة، حيث ترفع أمريكا الرسوم الجمركية ثم سرعان ما تتراجع لأنها تدرك أثر ذلك على اقتصادها الداخلي، لا سيما وأنها دولة مستهلكة ورفع الرسوم يؤثر مباشرة على شعبها.
أما بالنسبة لروسيا، فقد كانت أمريكا تأمل أن يؤدي توريطها في المستنقع الأوكراني وفرض العقوبات الاقتصادية عليها إلى جعلها معزولة دولياً وضرب تجارة الغاز لديها في مقتل، لكن الملاحظ أن ذلك لم يؤت أكله؛ فروسيا تتمدد في أراضي أوكرانيا، وأوروبا تستجديها من فوق الطاولة ومن تحتها لأنها المتضرر الأكبر من هذه الحرب، وقد زاد من ذلك الضرر حرب أمريكا على إيران ووضع العراقيل أمام حركة البواخر والسفن في مضيق هرمز.
وبالرغم من أن زيارة ترامب للصين لم يتسرب منها شيء يتعلق بفك العلاقة بين الصين وروسيا، إلا أن زيارة بوتين للصين والتي جاءت بُعيد زيارة ترامب وتوقيع 20 اتفاقية مشتركة تشمل قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والنقل، تصب بوضوح في زيادة الروابط بين الدولتين.
إن هذه الزيارة والاتفاقيات لسان حالها يقول بأن أمريكا تتراجع، وسيجري عليها ما جرى على كل الدول والإمبراطوريات التي سبقتها، ولن تجد لسنة الله تبديلاً. وإن الأمة الإسلامية، بما تحمل من قيم وأحكام انبثقت عن عقيدتها، هي البديل المبدئي بإذن الله، لتعود وتحمل الإسلام مشعل نور وأنظمة حياة. وإن الصراع بين روسيا والصين من جهة وأمريكا من جهة أخرى ليس صراعاً مبدئياً وإنما هو صراع مصلحي، وإن الخلافة بوصفها نظاماً سياسياً مبدئياً هي وحدها القادرة على إدارة هذا الصراع، بل وحسمه؛ وما تاريخ دفع الجزية للمسلمين وتوقيع الاتفاقية باللغة العربية التي أجبرت عليها أمريكا عنا ببعيد، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.






















رأيك في الموضوع