تشهد تركيا في الآونة الأخيرة واحدة من أكثر المراحل السياسية اضطراباً، بعد تطورات قضائية غير مسبوقة طالت قيادة أكبر أحزاب المعارضة، وما تبعها من ارتدادات سريعة في الأسواق المالية. فقد تحوّل الخلاف السياسي من ساحات البرلمان والانتخابات المحلية إلى أروقة القضاء، في خطوة اعتبرها مراقبون نقطة تحوّل في طبيعة التنافس السياسي داخل البلاد. ومع تزامن ذلك مع تحركات اقتصادية لطمأنة المستثمرين في الخارج، برزت تساؤلات واسعة حول مستقبل السياسة والاقتصاد في تركيا، وحدود العلاقة بين القضاء والسياسة في مرحلة تتزايد فيها التوترات قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
إن ما يحدث في تركيا الآن يعد من أخطر الأزمات السياسية منذ سنوات؛ لأنه لا يتعلق فقط باعتقال رؤساء بلديات معارضين، بل وصل إلى قلب أكبر حزب معارض، وهو حزب الشعب الجمهوري.
حيث صدرت قرارات قضائية في أنقرة جرى من خلالها عملياً إبطال نتائج مؤتمر الحزب الذي أوصل أوزغور أوزال إلى رئاسة الحزب عام 2023، مع إعادة القيادة السابقة بقيادة كمال كليتشدار أوغلو بشكل مؤقت، بحسب العربي الجديد بتاريخ 22/5/2026.
وتدور القضية رسمياً حول اتهامات برشاوى وتجاوزات داخل الانتخابات الحزبية الداخلية، لكن المعارضة ترى أن الملف سياسي بامتياز، وأن السلطة تستخدم القضاء لإعادة تشكيل المعارضة بعد السقوط الكبير للحزب في انتخابات البلديات عام 2024، وخاصة بعد صعود نجم أكرم إمام أوغلو واعتقاله لاحقاً. فهي تعتبر أن ما يجري ليس مجرد تحقيقات قانونية، بل استخدام سياسي للقضاء، هدفه إضعاف الحزب عبر الطعن في شرعية قيادته، وهي محاولة من الدولة لتفكيك الخصم قبل الانتخابات المقبلة.
أما الحكومة والقضاء، فهما متمسكان باستقلال القضاء دون تدخل سياسي، وأن القضايا تتعلق بتهم فساد ومخالفات إدارية وتمويل داخلي داخل البلديات أو الحزب. وتضيف الحكومة أن أي حزب سياسي ليس فوق القانون، حتى لو كان أحد أحزاب المعارضة.
إن توقيت فتح هذه الملفات وتوسيعها في لحظة صعود المعارضة يلفت النظر. وأيضاً، ففي دولة مثل تركيا لا يكون القضاء منفصلاً كلياً عن سياق السياسة، ولا يكون أداة سياسية بالكامل، بل يتحرك في مساحة رمادية. وحتى لو لم يكن الهدف السياسي هو الأساس، فإن النتيجة السياسية واضحة، وهي إضعاف المعارضة، وتشويه قيادتها، وخلق حالة من عدم الاستقرار داخلها.
إن هذه الهزة، في هذا التوقيت، حتماً لها عواقب، منها:
1- داخلياً استقطاب سياسي حاد؛ إذ سوف نلاحظ زيادة الانقسامات بين أنصار الحكومة والمعارضة، وفقدان الثقة في استقلال القضاء لدى جزء من المجتمع، ما قد يؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات السياسية أو حدوث توتر مجتمعي في المستقبل القريب.
2- احتمال انقسام حزب الشعب الجمهوري داخلياً؛ حيث قد ينشأ صراع بين القيادات القديمة والجديدة، وبذلك يتم إضعاف جاهزيته للانتخابات المقبلة.
3- اقتصادياً: تأثرت بورصة إسطنبول هبوطاً بنحو 6%، كما تعرضت أسهم البنوك لضغوط حادة، وحاولت الحكومة دعم الليرة التركية. وقد ظهر وزير الاقتصاد التركي في لندن بحالة من الحساسية الشديدة تجاه مخاوف المستثمرين، حيث تحاول الحكومة طمأنة المستثمرين الأجانب بأن السياسة الاقتصادية لن تتغير، وأن البنك المركزي سيواصل التشديد النقدي، ولن يكون هناك انهيار مالي رغم الاضطرابات السياسية. ومع الأسف، فإن الأسواق أصلاً تعاني من تضخم كبير وتراجع في قيمة الليرة، وغيرها من الأزمات الاقتصادية.
ويبقى الجدل مفتوحاً بين القضاء والسياسة، فهي من أكثر الملفات حساسية، حيث تتباين قراءات الداخل والخارج بشأن مدى استقلالية المؤسسات القضائية عن التجاذبات السياسية، وأصبح الخط الفاصل بين القانون والسياسة ضبابياً، خاصة عندما تتزامن الإجراءات القضائية مع تحولات انتخابية.
فالبلاد تعيش حالة استقطاب حاد بين معسكر السلطة والمعارضة، وما يجري قد يكون إعادة ضبط قانونية للمشهد السياسي، أو بداية مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات قبل الانتخابات القادمة.
هذا ما أنتجته الرأسمالية في تركيا البلد الإسلامي؛ انقسام حول قانون وضعي، وصراع على من يتربع على عرش السيطرة والنفوذ، في حين إن رعاية شؤون الأمة لا ينبغي أن تنتج صراعاً على السلطة أصلاً، بل يبقى المنصب تكليفاً لا تشريفاً.
ومع الأسف، نحمل شريعة ربانية كاملة في منهجنا بصفتنا مسلمين، ثم نتمسك بقوانين غربية لا تزيدنا إلا ضعفاً فوق ضعفنا!
فيا أهل تركيا، تجاوزوا كل العوائق التي تحول دون استئناف الحياة الإسلامية، وعودوا إلى عهد الخلافة؛ فإن عزنا فيها، ونجاتنا في الدنيا والآخرة بها. وإن أبطال تركيا قادرون على قلب الطاولة نحو عهد جديد يرضي الله ورسوله عليه وآله الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
بقلم: الأستاذ نبيل عبد الكريم






















رأيك في الموضوع