بعد أن غابت لأكثر من عشر سنوات، أعاد انعقاد أولى جلسات محاكمة أربعين معارضا لقيس سعيد، يوم الرابع من شهر آذار الماضي، للشارع التونسي أجواء الحديث عن "تهم التآمر على أمن البلاد الداخلي والخارجي". هي التهم الموروثة عن حقبة الاستعمار المباشر حين كانت سلطة المستعمر ترفعها سيفا على رقاب المجاهدين، والتي طالما وظفها نظاما بورقيبة وبن علي لضرب المعارضين وتجريمهم والتنكيل بهم، في عشرات القضايا. تأتي هذه المحاكمة بعد سنتين من أول إعلان فاجأ التونسيين بعد أن أُشغلوا بالحديث عن محاربة الفساد ومحاسبة المفسدين، بإلقاء قوات الأمن التونسية القبض على مجموعة أولى، شملت سياسيين، من مشارب فكرية مختلفة، ورجال أعمال، ومتقاعدين من الجيش والسلك الدبلوماسي بشبهات "التآمر على أمن الدولة والاعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة". ثم تتالت الإيقافات ليستقر العدد عند أربعين متهما، بين موقوف وفار خارج البلاد، ومن هو في حالة سراح، ومعلوم عن جميعهم، رغم توجهاتهم السياسية المختلفة، شدة معارضتهم للإجراءات الاستثنائية التي اتخذها قيس سعيد يوم 25 تموز/يوليو 2021، والتي أحكم بموجبها قبضته على كل أجهزة الدولة.
ظل الرأي العام في تونس يتطلع إلى حيثيات التهم الملقاة على عاتق المجموعة المعنية فلم يدركها، بموجب قانون التحفظ، رغم إصرار قيس سعيد على وصمهم "بالإرهابيين المتآمرين على أمن الدولة الداخلي والخارجي"، خاصة بعد تبرئة النيابة العمومية أطرافا دبلوماسية أجنبية مقيمة في تونس (سفراء وقناصل ومسئولين في عدد من البعثات الدبلوماسية بتونس)، الذين تمّ ذكر أسمائهم في تحقيقات البداية باعتبارهم الجهات التي "تخابر" معها بعض المتهمين في القضية، لم تستطع سلطة قيس سعيد أن تضع الرأي العام في صورة أحداث قضية في حجم تهمة "التآمر على أمن الدولة" والارتباط بجماعات إرهابية، أمام إعلان جهات الدفاع عن الموقوفين بأن ملفات القضية ليست مبنية على عمل أمني واستخباراتي واستعلاماتي، بل كل ما في الأمر أنها ارتكزت على وشايات مخبرين اثنين، خاصة بعد أن أبرزت بعض وسائل الإعلام تسريبات من داخل سجن الإيقاف رفض الموقوفين لأصل التهمة وأنه لم يقع الاستماع لبعضهم إلا لحظة إصدار بطاقة الإيداع بالسجن.
إلا أن المعارضة، وعدة جمعيات ومنظمات غير حكومية، ترى أن تطورات أحداث هذه القضية، وهي في الحقيقة كبرى جملة من قضايا تآمر أخرى منشورة في المحاكم ويجري التحقيق فيها، تؤيد موقفها باعتبارها هذه المحاكمة محاكمة فارغة لا تستند إلى أي معيار من معايير المُحاكمات العادلة، ولا تعدو أن تكون تجريما لحرية الرأي، وتخوينا لخصوم ومُنتقدي الرئيس. حيث إن رئيس جبهة الخلاص الوطني، أحمد نجيب الشابي، والملاحق هو الآخر في هذه القضية في حالة سراح، لا يرى فيها إلا عملا "ترهيبيا للتونسيين لثنيهم عن ممارسة حقوقهم السياسية الأساسية".
وتعتبر المعارضة أن استقلالية القضاء بعد 25 تموز/يوليو 2021، "يجب أن تكون في الفعل والممارسة وليس في الخطاب فقط"، خاصة بعد قرار سعيّد عزل 57 قاضيا من بينهم رئيس المجلس الأعلى للقضاء المنحل، بدعوى "الحفاظ على السلم الاجتماعي وعلى الدولة"، وموقفه الشهير من القضاة حين صرح "أن من يبرئهم فهو شريك لهم". وترى في ذلك سبب اتخاذ قرار محاكمة المتهمين عن بعد ودون جلب الموقوفين منهم للمحكمة، وهو الأمر الذي أثار رفضا قاطعا لدى المتهمين والجهات الحقوقية، وفي صفوف المعارضة.
وبين رفض المعارضة القاطع لإجراءات قيس سعيد، وترهيبه للتونسيين وعرقلة حقهم في الممارسة السياسية، ودعوات أطراف قريبة منه إلى المصالحة والحوار في تونس وتهدئة الأجواء المحتقنة، تطالب بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وتعديل المرسوم 54 الذي دخل بسببه عشرات الناشطين والمدونين والسياسيين إلى السجن، ومن ذلك عرض 60 نائباً طلباً لمقترح قانون خاص بتنقيح المرسوم 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، وقد سبقت ذلك دعوة من أعضاء برلمانيين لإطلاق سراح كل من تعلقت قضيته بالرأي، من سياسيين ونقابيين وإعلاميين ومدونين ونشطاء.
بين هذا الموقف وذاك يظل أهل تونس، مهد ثورة حركت الساكن في كامل المنطقة، وفتحت أفقا رحبا في اتجاه تغيير جذري يقطع مع التبعة المقيتة للغرب الكافر المستعمر، باستعادة الإرادة وتحرير المبادرة منه، أسرى التضليل الفكري الذي تسلطه عليهم السلطة والمعارضة على السواء، بإيهام الناس أن ضنك العيش الذي يرزحون تحته هو جراء عدم ديمقراطية الطرف الآخر. ذاك التضليل الذي لا تغيب عنه يد الغرب المستعمر ولا عينه، مع ما يعلمه الجميع من تدخل الدوائر الرسمية الأجنبية ومنظماتها، أو التجاء كثير من الأطراف المعارضة إلى الدوائر الحقوقية الأجنبية للتظلم أمامها، وكذلك إصرار السلطة على السير على نهج الغرب في الحكم والإدارة وإن تلحفت بإعلان الرفض لأي شكل من أشكال التدخل في الشأن الداخلي للبلاد، وهي تطمئن الغرب، وتنفي مخاوفه بشأن مصير الديمقراطية التونسية، ذاك التضليل الذي لا يختلف في شيء عن معاناة إخوتنا في السودان وسوريا واليمن وغيرها من بلاد الإسلام، وإن اتخذ هناك الشكل المادي، فإن العصف السياسي المسلط على تونس لا يقل بشاعة عما يجري هناك، فالناتج واحد؛ تضليل عن نصرة دعوة الحق وإقصاء لفكرة التغيير الجذري، وصرف عمن هو أحق بقيادة الأمة وتثبيت لسلطان المستعمر على أمتنا.
* رئيس لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية تونس