أقر الكنيست يوم الخميس الماضي قانون تغيير تركيبة لجنة تعيين القضاة في إطار مشروع إصلاح القضاء في كيان يهود، وسط مقاطعة المعارضة ولجوئها إلى المحكمة العليا. وصوت لصالح الاقتراح 67 عضوا، من أصل 120، فيما عارضه عضو واحد.
وهذه الخطوة القديمة الجديدة هي خطوة من مشروع الإصلاح القضائي الذي سبق وأطلقته حكومة يهود بقيادة رئيسها نتنياهو بداية عام 2023 ما أثار موجة من الاحتجاجات، تراجعت إثر بدء الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023م.
ويتضمن القانون الجديد إجراء تغييرات تتعلق بلجنة اختيار القضاة، تنص على تشكيل لجنة اختيار القضاة من تسعة أعضاء هم رئيس المحكمة العليا وقاضيان منها ووزير العدل ووزير آخر، وعضو كنيست من الائتلاف وعضو كنيست من المعارضة واثنان من ممثلي الجمهور تعين أحدهما كتل الائتلاف والآخر كتل المعارضة. بينما يتم حاليا اختيار القضاة، بما في ذلك قضاة المحكمة العليا، من لجنة مكونة من تسعة أعضاء تضم قضاة ونواباً ومحامين من نقابة المحامين، تحت إشراف وزير العدل.
فواضح أن جوهر التعديل يقوم على جعل المحكمة العليا وجهاز القضاء أقل استقلالا عن السلطة التنفيذية والتشريعية لديهم، بل يجعل للسلطة التنفيذية من خلال الوزيرين والسلطة التشريعية من خلال عضوي الكنيست والممثلين الآخرين، يداً على القضاء. وبدلا من أن يمارس القضاء دور الرقابة على الحكومة سيكون بشكل أو بآخر تابعا أو متوافقا معها ومع الأحزاب المهيمنة على الكنيست.
وهذا ما عبرت عنه المعارضة بالقول إنها تخشى من أن يزيل القانون الجديد بعض الضوابط على السلطة التشريعية والتنفيذية، قد تدفع الديمقراطية (الإسرائيلية) نحو نظام غير ليبرالي.
بينما تعتبره الحكومة كما صرح ما يسمى وزير العدل ياريف ليفين بأنّ القانون يهدف إلى تحقيق التوازن بين السلطتين التشريعية والقضائية.
وما يرفع درجة غليان الصراع داخل كيان يهود هو أنّ هذا القانون يأتي في ظل محاولات إقالة رئيس جهاز الأمن الداخلي رونين بار، وبدء إجراءات عزل المدعية العامة غالي بهاراف-ميارا. وهو ما ترى فيه المعارضة خطوات جدية نحو تعزيز هيمنة نتنياهو والحكومة الحالية بأحزابها اليمينية واليمينية المتطرفة على كيان يهود. وبذلك تجتمع لدى نتنياهو وأحلافه في الحكومة عناصر القوة المتمثلة بالسلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية.
صحيح أن ما يثار من تخوفات تتعلق بتهرب نتنياهو من الإدانة والمحاكمات على تهم الفساد هي تخوفات قائمة، وأن هناك مكاسب ومصالح شخصية لنتنياهو يمكنه تحقيقها من وراء التعديلات، ويكفي أنها ستجعله رجلا قويا غير خاضع للابتزاز. وقد رأينا كيف أنه برر أحد أسباب سعيه لإقالة رئيس الشاباك بأنه كان يحاول ابتزازه. ولكن الأهم من ذلك والأعمق هو التخوفات الجوهرية لدى التيار الليبرالي وبعض أقطاب الدولة العميقة، وهي في الفلسفة التي كانت وراء صلاحيات المحكمة العليا وكيفية اختيار قضاتها.
إذ إن المؤسسين وأصحاب العمق قد اختاروا تلك التركيبة التي تجعل للقضاء استقلالية وصلاحيات على السلطة التنفيذية ومن ضمنها قانون المعقولية الذي كان محل خلاف وجدل كبيرين إبان التعديلات التي اقترحتها حكومة نتنياهو قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023م وخرجت على إثرها المظاهرات الرافضة الحاشدة في الميادين، هؤلاء المؤسسون وبعض المتعقلين في كيان يهود أرادوا بقاء القضاء وصلاحيات المحكمة العليا كصمام أمان لمنع تهور السلطة التنفيذية في اتخاذ قرارات قد تضر بكيانهم بشكل مباشر أو غير مباشر دون أن تبصر ذلك.
ففي ظل المشهد الحالي مثلا، حيث تهيمن أحزاب اليمين واليمين المتطرف على الكنيست والحكومة، فإن ترك الأمر لهم للقيام بكل ما يرونه ضروريا ومناسبا لكيانهم، يعني السعي لتحقيق الأحلام التوراتية والدخول في صراعات وحروب قد تودي بكيانهم إلى المواجهة التي لا قبل لهم بها، من وجهة نظر المتعقلين، وهنا يأتي دور المحكمة العليا والقضاء في كبح جماحهم عن التهور واتخاذ القرارات المتسرعة.
فالمشاهد المحسوس أن الأغلبية التشريعية والجماهيرية الآن في كيان يهود هي أغلبية يمينية ويمينية متطرفة، ولذلك لم يستطع اليسار والعلمانيون أن يسقطوا نتنياهو وحكومته أو أن يقفوا في وجه قراراته رغم كل الاستقالات والمقاطعات والدعوات إلى انتخابات مبكرة، فما زالت الحكومة متماسكة والمتطرفون هم المهيمنين على المشهد بشكل دستوري، أي بصناديق الاقتراع.
وما يهمنا نحن المسلمين في كل ما يحدث هو أنّ نتنياهو واليمين المتطرف بتوجهاتهم الحالية وخطواتهم المتسارعة يقودون كيانهم وأنفسهم إلى المواجهة المحتومة مع الأمة الإسلامية، فهم يعجلون من ساعة الصدام مع الأمة، التي لا مفر منها من حيث لا يشعرون، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾.
فهذه الخطوات هي من معززات الإفساد الثاني الذي سيكون فيه نهاية كيانهم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾. فحالة التعقل التي كانت تتحلى بها بعض قيادات يهود هي التي مكنت كيانهم من البقاء لغاية الآن، وإذا ما زالت تلك الحالة فإن ذلك حتما سيقود إلى تأجيج الصراع والإفساد ووصولهما إلى مرحلة الانفجار واللاعودة، وهذا ما كان يدركه الكثيرون من المؤسسين لكيان يهود، وهو ما بدأ يغيب عن أذهان القائمين على الحكم هذه الأيام فأعمى الغرور والغطرسة أعينهم حتى باتوا فعلا يظنون أنهم أقوياء وأولو عزم، وهذا ما يصرح به رئيس وزراء يهود نتنياهو قائلا: "نحارب على 7 جبهات ونحقق الانتصار ضد أعدائنا". فأصبح هو ومن معه في الائتلاف الحاكم يرون أنهم فعلا أقوياء ويمكنهم صنع المعجزات، بعد أن رأوا أنه لم يقو أحد على الوقوف أمامهم في تلك الجبهات السبع! وهي وإن كانت جبهات في معظمها مع جماعات وليست مع دول، ومع أنهم يرون كيف أن أمريكا والغرب كله يدعمهم، ولكنهم ينسبون ذلك لأنفسهم، فهم يرون أنهم بسبب حكمتهم وقوتهم تمكنوا من حشد الغرب وراءهم وحكام المسلمين إلى جانبهم، فأصابهم الغرور والغطرسة، فعميت أبصارهم مثلما عميت بصائرهم.
وفي هذا نهايتهم بإذن الله، كما أخبر سبحانه بأن نهايتهم الثانية تكون مع علوهم وإفسادهم الثاني، وها هم يكادون يكملونه.
فالأمة الإسلامية باتت تغلي غليان الماء في القدر، والأوضاع تكاد تخرج عن سيطرة الحكام في ظل حالة غطرسة يهود التي تزامنت مع الغطرسة الأمريكية بقيادة ترامب، وكأنها تدابير المولى عز وجل لساعة المواجهة والمفاصلة. وصدق الله القائل: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير