يمثل ما عُرف بـ"الحقوق السياسية للمرأة" مستوى لعله الأخص بين مجموعة الحقوق التي تنادي بها الحضارة الرأسمالية للمرأة لتنال نصيباً منها في كل العالم، وبخاصة بلاد المسلمين، لما تتميز به من حضارة إسلامية ضاربة جذورها في التاريخ، للمرأة فيها حقوق سياسية، وأدوار مميزة، ليس بالضرورة أن تكون طبق الأصل لما في الغرب من حقوق المرأة السياسية، التي هي في الحقيقة شعارات براقة لم تحقق للمرأة إلا الانصهار في بوتقة الرأسمالية النتنة، التي تسلب ولا تعطي إلا ما يخدم منفعة طبقة الرأسماليين، ورجال المال، الذين حولوا المرأة إلى سلعة حتى يتكسبوا من ابتذالها.
وعلى النقيض تأخذ حقوق المرأة السياسية في الإسلام قدسية وعدالة، ومناسبة هذه الحقوق السياسية التي تنبع من أنها حقوق وواجبات ارتضاها رب المرأة.
إن المدقق في ممارسة المرأة السياسية في الغرب، يرى أنها في حقيقتها مشاركة اسمية شكلية، وليست فعلية مؤثرة، وكم تم استغلال قضايا المرأة في البرامج الانتخابية للمرشحين، سعياً للحصول على أصوات أكثر، وهذه سمة المبدأ الرأسمالي في التعامل مع كل قضية، فالدولة الرأسمالية أولوياتها فقط المنفعة المادية، فإن لم تستفد الدولة من المرأة اقتصادياً فلن تكون قضية مهمة، ما لم تجلب للمنظومة الاقتصادية العلمانية الربح المادي، والفوز في الانتخابات، فالمرأة تساوي صفراً عندهم.
أما خدعة ما يسمى (الكوتة) النسائية، وهي ضمان عدد معين من المقاعد للنساء في المجلس النيابي، أو في المجالس التشريعية، لتمرير هذا الزيف والخداع، يتطلب الأمر إلزام الأحزاب السياسية بتخصيص مقاعد لوجود النساء في مستوياتها التنظيمية كافة، وكأنهم يصنعون للمرأة أدواراً لتعيش الخداع والزيف، وليس للعدالة ولا الحقوق مكان في ذلك! أما البرلمان نفسه فهو وسيلة للتنفيس عن الناس، بأن لهم ممثلين في الحكومة، يستطيعون من خلالهم نقض الواقع وتغييره، وهذا مجاف للحقيقة الشاخصة، وهي أن الرأسمالية، ورجال المال والأعمال هم من يسيرون دفة الحكم، ويتحكمون في حياة الناس، وما التصويت على القرارات المتخذة، أو التصويت على تنفيذ بعض القوانين، إلا لإشغال الأعضاء عن الموضوع الأساس؛ وهو المحاسبة المغيبة، التي لا مكان لها في الحضارة الغربية الرأسمالية، وهذا واقع البرلمانات ومجالس التشريع، إذ وجود هذه البرلمانات هو صوريّ، ولا تؤدي الدور المنوط بها سواء في قضايا المرأة التي ابتكرتها الرأسمالية لاستغلال المرأة أو في غيرها.
ولمن لا يعلم فإن الغرب الرأسمالي المستعمر كان يمنع المرأة من التصويت، ولم تمارس المرأة الغربية حق الانتخاب إلا بعد نضال وكفاح طويلين، فمثلاً أمريكا أعطت المرأة حق الانتخاب عام 1922م، وفرنسا أم الحريات المزيفة، أعطتها حق الانتخاب عام 1944م... هذه هي حقيقة المشاركة السياسية للمرأة في الحضارة الرأسمالية الغربية.
أما في بلاد المسلمين، فقد حطمت المشاركة السياسية للمرأة أرقاما قياسية في الفشل، في رفع المعاناة عن المرأة، التي تموت بالجوع والفقر والحروب، أما تحسين المعايير الصحية والتعليمية فحدث ولا حرج، يحدث هذا على الرّغم من وجود النساء بكثافة في البرلمانات، وفي الوزارات، وحتى في المناصب العليا في الدولة، لأن السياسات الديمقراطية الرأسمالية هذه طبيعتها، فهي لا تسعى لحل المشكلات البشرية إلا بقدر ما تحصله من منفعة، لأن الرأسمالية مليئة بالتناقضات في ذاتها، فهي تلتهم مبادئها الخاصة من أجل الحفاظ على وجودها الاستعماري.
إن المشاركة السياسية للمرأة في الإسلام هي أمر واضح من أول يوم لنزول الوحي على رسولنا الكريم ﷺ، وقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها، نعم السياسية التي تحملت عبء الدعوة على أكتافها، فكانت نعم المستشارة والمؤازرة لرسول الله ﷺ، بكل ما تملك.
وفي بيعة العقبة الثانية كانت هناك امرأتان، هما نسيبة بنت كعب أم عمارة، وأسماء بنت عمرو بن عدي، كانتا ضمن الوفد، وكانت هذه البيعة تعهداً بالدعم السياسي، والحماية العسكرية للرسول ﷺ.
وبعد وفاة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، يتشاور مع رعايا الدولة حول من يريدون مبايعته ليكون الخليفة، فسعى إلى الحصول على آراء الرجال والنساء على حد سواء، حتى الفتيات في خدورهن.
أما المشورة السياسية، فقد أخذها ﷺ من زوجه أم سلمة رضي الله عنها، عندما واجه أزمة سياسية خطيرة في معاهدة الحديبية فكانت نعم المشورة.
وكان من عادة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جمع الرجال والنساء في المسجد ليتباحث معهم جميعاً، ويأخذ آراءهم في الأمور المختلفة، فكانت مشاورته للشفاء بنت عبد الله في مختلف الأمور السياسية، بسبب ذكائها وبصيرتها، وغالباً ما كان يعطي الأفضلية لآرائها على آراء الآخرين.
فشتان ما بين الحقوق السياسية للمرأة في الإسلام، التي تشارك المرأة فيها مشاركة حقيقية لحل المشاكل، وحمل دعوة الحق، والنهوض بالمجتمع، وبين زيف الشعارات الخداعة لمشاركة المرأة السياسية في الحضارة الرأسمالية، التي تخدم مصالح ومنافع الطغمة الرأسمالية المتحكمة في كل صغيرة وكبيرة.